أقرّ وزير النقل كامل الوزير بأن الوزارة ركزت أكثر من اللازم على تطوير الطرق الرئيسية التي تربط الموانئ بالمناطق الصناعية، على حساب الطرق المحلية في المحافظات. وخلال حديثه في اليوم الثاني من منتدى مصر، الذي انعقد في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن الوزير أن الوزارة ستطوّر 3 آلاف كيلومتر من الطرق في القرى والمناطق الحضرية خلال الفترة المقبلة، باستثمارات تبلغ 42 مليار جنيه مصري، أي نحو 760 مليون دولار.
وفي تقرير نشره موقع «المنصة» يوم الخميس 22 أكتوبر، تناولت هدى فايق، من فريق الأخبار، خطة الوزارة الجديدة، وأثارت تصريحات الوزير تساؤلات مجددًا بشأن كيفية توزيع استثمارات الطرق بين إنشاء المحاور السريعة الجديدة وتطوير الشبكات التي تخدم القرى والمناطق الحضرية، لا سيما في ظل الانتقادات المتكررة لتدهور الطرق المحلية والمخاطر التي تشكلها على مستخدميها.
«مش كبير على أهالينا»: هل تكفي الاستثمارات المعلنة؟
استعرض الوزير، خلال كلمته في المنتدى، مشروعات تطوير الطرق الداخلية التي أنجزتها الدولة خلال السنوات الماضية. وقال إن أحد المشروعات شمل تطوير 3 آلاف كيلومتر من الطرق، فيما غطّى مشروع آخر، ضمن مبادرة «حياة كريمة»، مسافة مماثلة.
ودافع كامل الوزير عن الاستثمارات الجديدة، معتبرًا أنها ضرورية لخدمة المواطنين، وقال إنها «مش كبير على أهالينا وناسنا في القرى والمناطق الحضرية».
لكن بيانات الطرق تشير إلى أن نطاق التغطية المخطط له لا يزال محدودًا؛ إذ تمثل الـ3 آلاف كيلومتر الإضافية نحو 2.3% فقط من إجمالي شبكة الطرق التي تديرها مديريات الطرق والجهات المحلية، والبالغ طولها نحو 129 ألف كيلومتر حتى 30 يونيو 2024، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024.
وتشكل الطرق التابعة للجهات المحلية ومديريات الطرق نحو 73.8% من إجمالي شبكة الطرق في مصر، ما يجعلها مرشحة لتكون أولوية منطقية بالنظر إلى حجمها. وتشير الإحصاءات أيضًا إلى الحاجة الملحّة لتطوير هذه الشبكة؛ إذ لا يزال نحو ربع طرقها تقريبًا، أي ما يعادل 30 ألفًا و500 كيلومتر، غير مرصوف.
واعتبر الصحفي عزت القمحاوي، المعروف بانتقاداته للتخطيط العمراني في مصر، أن توجيه الاهتمام إلى طرق القرى يمثل خطوة أولى إيجابية، لأن الفجوة بينها وبين الطرق السريعة الجديدة هائلة.
وقال القمحاوي، في حديثه إلى «المنصة»، إن التفاوت في الاستثمارات المخصصة للطرق التي تخدم المناطق الغنية مقارنة بتلك التي تخدم المجتمعات الأفقر بات أكثر وضوحًا في الاهتمام بالطرق المؤدية إلى الساحل الشمالي، منذ بدء توسع الأنشطة السياحية هناك.
ودعا القمحاوي إلى تحقيق العدالة في توزيع البنية التحتية وإعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية، بدلًا من التركيز على المشروعات الموجهة لخدمة النخب. وأضاف أن الاستثمارات في الطرق الجديدة تحركها إلى حد كبير الرغبة في دعم العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الجديدة الأخرى.
وأوضح أن هذا التوجه يقدم، عمليًا، دعمًا غير مباشر للاستثمار العقاري، رغم وجود فائض كبير بالفعل في الوحدات السكنية. وفي المقابل، رأى أن الاستثمار في طرق القرى يدعم التنمية بصورة مباشرة.
وحظيت العاصمة الإدارية الجديدة بدعم واسع من الدولة، لم يقتصر على الطرق والمحاور السريعة، بل شمل أيضًا الاستثمار في وسائل النقل العام التي تربطها بالمناطق الأخرى، وفي مقدمتها المونوريل.
فجوة البنية التحتية بين الأغنياء والفقراء
أكد القمحاوي أن عدم المساواة يتجاوز نقص الاستثمارات المخصصة لطرق القرى. وقال: «كان يمكن أن تتوقف الفجوة عند فصل طرق الأغنياء في الصحراء عن طرق الفقراء في الدلتا والوادي، لكن السنوات العشر الماضية شهدت شق الطرق السريعة وسط الأراضي الزراعية، وهي طرق تقوض التنمية الزراعية، في نظر كل من يهتم بها».
وأضاف أن هذه الطرق تسببت، على نحو أكثر خطورة، في اختلاط المركبات التي يستخدمها الأثرياء، من شاحنات النقل الثقيل إلى سيارات الركاب القوية، بالمركبات التي يستخدمها الفقراء، ومنها سيارات البيك أب والمركبات الصغيرة ذات الثلاث عجلات والتوك توك.
وأوضح أن وجود هذه الأنواع المختلفة من المركبات على الطرق نفسها أدى إلى وقوع حوادث مروعة، ما يثير تساؤلات بشأن التخطيط لشبكات الطرق ومدى مراعاته لاختلاف احتياجات مستخدميها ومستويات الأمان المطلوبة لهم.
ويرى القمحاوي أن تحقيق العدالة في البنية التحتية يتطلب ما هو أبعد من زيادة الاستثمارات في الطرق، إذ ينبغي أن يشمل أيضًا توسيع فرص وصول المواطنين إلى النقل بالسكك الحديدية.
وتعيد تصريحات كامل الوزير بشأن تطوير الطرق المحلية فتح النقاش حول أولويات الإنفاق على البنية التحتية في مصر، ومدى التوازن بين إنشاء الطرق والمحاور الجديدة التي تخدم المدن والمشروعات الكبرى، وصيانة الشبكات التي يعتمد عليها سكان القرى والمناطق الحضرية في تنقلاتهم اليومية. وفي ظل اتساع شبكة الطرق المحلية ووجود عشرات الآلاف من الكيلومترات غير المرصوفة، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الاستثمارات المعلنة ستعالج حجم التدهور القائم، أم ستظل خطوة محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات.
https://manassa.news/en/news/34564

